ابن كثير

69

البداية والنهاية

عنه من الآثار الموقوفة مبوبا على أبواب الفقه ولله الحمد والمنة . وقد روى سيف بن عمر عن شيوخه عن سالم قال : لما دخل عمر الشام تلقاه رجل من يهود دمشق ، فقال السلام عليك يا فاروق ، أنت صاحب إيلياء ؟ لاها لله لا ترجع حتى يفتح الله عليك إيلياء . وقد روى أحمد بن مروان الدينوري ، عن محمد بن عبد العزيز ، عن أبيه ، عن الهيثم بن عدي ، عن أسامة بن زيد بن أسلم ، عن أبيه عن جده أسلم مولى عمر بن الخطاب أنه قدم دمشق في تجار من قريش ، فلما خرجوا تخلف عمر لبعض حاجته ، فبينما هو في البلد إذا البطريق يأخذ بعنقه ، فذهب ينازعه فلم يقدر ، فأدخله دارا فيها تراب وفأس ومجرفة وزنبيل ، وقال له : حول هذا من ههنا إلى ههنا ، وغلق عليه الباب وانصرف فلم يجئ إلى نصف النار . قال : وجلست مفكرا ولم أفعل مما قال لي شيئا . فلما جاء قال : مالك لم تفعل ؟ ولكمني في رأسي بيده قال : فأخذت الفأس فضربته بها فقتلته وخرجت على وجهي فجئت ديرا لراهب فجلست عنده من العشي ، فأشرف علي فنزل وأدخلني الدير فأطعمني وسقاني ، وأتحفني ، وجعل يحقق النظر في ، وسألني عن أمري فقلت : إني أضللت أصحابي . فقال : إنك لتنظر بعين خائف ، وجعل يتوسمني ثم قال : لقد علم أهل دين النصرانية أني أعلمهم بكتابهم ، وإني لأراك الذي تخرجنا من بلادنا هذه ، فهل لك أن تكتب لي كتاب أمان على ديري هذا ؟ فقلت : يا هذا لقد ذهبت غير مذهب . فلم يزل بي حتى كتبت له صحيفة بما طلب مني ، فلما كان وقت الانصراف أعطاني أتانا فقال لي اركبها ، فإذا وصلت إلى أصحابك فابعث إلي بها وحدها فإنها لا تمر بدير إلا أكرموها . ففعلت ما أمرني به ، فلما قدم عمر لفتح بيت المقدس أتاه ذلك الراهب وهو بالجابية بتلك الصحيفة فأمضاها له عمر واشترط عليه ضيافة من يمر به من المسلمين ، وأن يرشدهم إلى الطريق . رواه ابن عساكر وغيره . وقد ساقه ابن عساكر من طريق أخرى في ترجمة يحيى بن عبيد الله بن أسامة القرشي البلقاوي عن زيد بن أسلم ، عن أبيه فذكر حديثا طويلا عجيبا هذا بعضه . وقد ذكرنا الشروط العمرية على نصارى الشام مطولا في كتابنا الاحكام ، وأفردنا له مصنفا على حدة ولله الحمد والمنة . وقد ذكرنا خطبته في الجابية بألفاظها وأسانيدها في الكتاب الذي أفردناه لمسند عمر ، وذكرنا تواضعه في دخوله الشام في السيرة التي أفردناها له . وقال أبو بكر بن أبي الدنيا : حدثني الربيع بن ثعلب ، نا أبو إسماعيل المؤدب ، عن عبد الله ابن مسلم بن هرمز المكي ، عن أبي الغالية الشامي قال : قدم عمر بن الخطاب الجابية على طريق إيلياء على جمل أورق ، تلوح صلعته للشمس ، ليس عليه قلنسوة ولا عمامة ، تصطفق رجلاه بين شعبتي الرحل بلا ركاب ، وطاؤه كساء انبجاني ذو صوف هو وطاؤه إذا ركب ، وفراشه إذا نزل ، حقيبته نمرة أو شملة محشوة ليفا ، هي حقيبته إذا ركب ووسادته إذا نزل وعليه قميص من كرابيس قد رستم وتخرق جنبه . فقال : ادعوا لي رأس القوم ، فدعوا له الجلومس ، فقال : اغسلوا قميصي